ابن قتيبة الدينوري
496
الشعر والشعراء
عيلتي وتبدو مسكنتى ، في يوم لا ينفع فيه إلا الحقّ والصدق ، ثم بكى حتّى ظننّا أنه قاض نحبه ، وارتجّ المسجد وما حوله بالبكاء والعويل ، وانصرفت إلى صاحبىّ فقلت لهما : خذا في شرج من الشعر ( 1 ) غير ما كنّا نقوله لعمر وآبائه ، فإنّ الرجل أخروىّ ليس بدنيوىّ ، إلى أن استأذن لنا مسلمة في يوم جمعة ، ( فأذن لنا ) بعد ما أذن للعامّة ، فلمّا دخلت عليه سلَّمت ، ثم قلت : يا أمير المؤمنين ، طال الثّواء ، وقلَّت الفائدة ، وتحدّثت بجفائك إيّانا وفود العرب ، فقال : يا كثيّر ، * ( إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والْمَساكِينِ والْعامِلِينَ عَلَيْها والْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وفِي الرِّقابِ والْغارِمِينَ وفِي سَبِيلِ الله وابْنِ السَّبِيلِ ) * ( 2 ) أفي واحد من هؤلاء أنت ؟ فقلت : ابن السبيل منقطع به ، وأنا ضاحك ، قال : أولست ضيف أبي سعيد ؟ قلت : بلى ، قال : ما أرى من كان ضيفه منقطعا به . ثم قلت : يا أمير المؤمنين ، أتأذن لي في الإنشاد ، قال : نعم ولا تقل إلا حقّا ، فأنشدت : [ تكلَّمت بالحقّ المبين وإنّما * تبيّن آيات الهدى بالتكلَّم ] ( 3 ) [ وأظهرت نور الحقّ فاشتدّ نوره * على كل لبس بارق الحقّ مظلم ] [ وعاقبت فيما قد تقدّمت قبله * وأعرضت عمّا كان قبل التقدم ] وليت فلم تشتم عليّا ولم تخف * بريّا ، ولم تقبل إشارة مجرم وصدّقت بالفعل المقال مع الذي * أتيت ، فأمسى راضيا كلّ مسلم ألا إنّما يكفى الفتى بعد زيغه * من الأود البادى ثقاف المقوّم ( 4 )
--> ( 1 ) الشرج ، بسكون الراء : الضرب ، يقال « هما شرج واحد « و » على شرج واحد » أي : ضرب واحد . ( 2 ) من الآية 60 من سورة التوبة . ( 3 ) الأبيات الثلاثة زيادة من ب . ( 4 ) الأود . بفتحتين : الاعوجاج .